سيد قطب
2244
في ظلال القرآن
هذا الدرس الأخير في سورة الإسراء يقوم على المحور الرئيسي للسورة . شخص الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - وموقف القوم منه . والقرآن الذي جاء به وخصائص هذا القرآن . وهو يبدأ بالإشارة إلى محاولات المشركين مع الرسول ليفتنوه عن بعض ما أنزل اللّه إليه ، وما هموا به من إخراجه من مكة وعصمة اللّه له من فتنتهم ومن استفزازهم ، لما سبق في علمه تعالى من إمهالهم وعدم أخذهم بعذاب الإبادة كالأمم قبلهم . ولو أخرجوا الرسول لحاق بهم الهلاك وفق سنة اللّه التي لا تتبدل مع الذين يخرجون رسلهم من الأقوام . ومن ثم يؤمر الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يمضي في طريقه يصلي لربه ويقرأ قرآنه ويدعو اللّه أن يدخله مدخل صدق ويخرجه مخرج صدق ويجعل له سلطانا نصيرا ، ويعلن مجيء الحق وزهوق الباطل . فهذا الاتصال باللّه هو سلاحه الذي يعصمه من الفتنة ويكفل له النصر والسلطان . ثم بيان لوظيفة القرآن فهو شفاء ورحمة لمن يؤمنون به ، وهو عذاب ونقمة على من يكذبون . فهم في عذاب منه في الدنيا ويلقون العذاب بسببه في الآخرة . وبمناسبة الرحمة والعذاب يذكر السياق شيئا من صفة الإنسان في حالتي الرحمة والعذاب . فهو في النعمة متبطر معرض ، وهو في النقمة يئوس قنوط . ويعقب على هذا بتهديد خفي بترك كل إنسان يعمل وفق طبيعته حتى يلقى في الآخرة جزاءه . كذلك يقرر أن علم الإنسان قليل ضئيل . وذلك بمناسبة سؤالهم عن الروح . والروح غيب من غيب اللّه ، ليس في مقدور البشر إدراكه . . والعلم المستيقن هو ما أنزله اللّه على رسوله . وهو من فضله عليه ولو شاء اللّه لذهب بهذا الفضل دون معقب ، ولكنها رحمة اللّه وفضله على رسوله . ثم يذكر أن هذا القرآن المعجز الذي لا يستطيع الإنسان والجن أن يأتوا بمثله ولو اجتمعوا وتظاهروا ، والذي صرف اللّه فيه دلائل الهدى ونوعها لتخاطب كل عقل وكل قلب . . هذا القرآن لم يغن كفار قريش . فراحوا يطلبون إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - خوارق مادية ساذجة كتفجير الينابيع في الأرض ، أو أن يكون له بيت من زخرف ؛ كما تعنتوا فطلبوا ما ليس من خصائص البشر كأن يرقى الرسول في السماء أمامهم ويأتي إليهم بكتاب مادي يقرءونه ، أو يرسل عليهم قطعا من السماء تهلكهم . وزادوا عنتا وكفرا فطلبوا أن يأتيهم باللّه والملائكة قبيلا ! وهنا يعرض السياق مشهدا من مشاهد القيامة يصور فيه عاقبتهم التي تنتظرهم جزاء هذا العنت ، وجزاء تكذيبهم بالآخرة ، واستنكارهم البعث وقد صاروا عظاما ورفاتا . ويسخر من اقتراحاتهم المتعنتة ، وهم لو كانوا خزنة رحمة اللّه ، لأدركهم الشح البشري فأمسكوا خشية نفاد الخزائن التي لا تنفد ! وهم مع ذلك لا يقفون عند حد فيما يطلبون ويقترحون ! وبمناسبة طلبهم الخوارق يذكرهم بالخوارق التي جاء بها موسى فكذب بها فرعون وقومه فأهلكهم اللّه حسب سنته في إهلاك المكذبين . فأما هذا القرآن فهو المعجزة الباقية الحقة . وقد جاء متفرقا حسب حاجة الأمة التي جاء لتربيتها وإعدادها . والذين أوتوا العلم من قبله من مؤمني الأمم السابقة يدركون ما فيه من حق ويذعنون له ويخشعون ، ويؤمنون به ويسلمون .